الإبداع من أين؟

بدأ الإنسان من يده و قد أدرك أن يده آلة مذهلة طيعة في التعبير عن مكنون عقله و وجدانه فراح يصوغ بها ذلك كيفما شاء.  فانطلق يصنع الحضارة  مبتدأً  من العصا  التي ظل يشكلها ويصوغها حسب مراداته وحاجاته فأبدع  منها القلم  و الرمح والرافعة  ثم مضى يبدع حتى وصل إلى الفأرة والكتاب الإلكتروني والصاروخ والطائرة.  وهذه الحضارة الهائلة  ما هي اﻻ نتاج العصا الاولى طورها وطوعها بالصوغ  والتشكيل حتى صار بها يصل أعماق كونه فكيف أبدع  كل ذلك وما هو الإبداع  وما هي آليته؟

 

 

إذا تأملنا الكون من حولنا بشيء من التفلسف البسيط سندرك أن الكون ما هو إﻻ صياغة وخامة هما معاً ﻻ ينفكان فلا خامة بدون صياغة في هذا الكون ، وﻻ صياغة بدون خامة. فالكون من حولنا تصوغه كله أربعة قوانين فيزيائية هي كما يسميها العلماء القوة النووية الضعيفة والأخرى القوية والقوة الكهرومغناطيسية و قوة الجاذبية و من يسيطر عليها يصوغ الكون كيفما شاء  طاقة ومادة.  فإذا تأملنا في الشيء، أي شيء من حولنا وجدناه  ﻻيخرج عن كونه ثمرة لصوغ في خامة. فالأشياء من حولنا  ماهي إﻻ ثمار  لصياغات عناصرية مفردة أو مركبة نتج عنها هذ التعدد الهائل للأشياء حولنا. و المنهج الذي يدرس هذا الصوغ هو الكيمياء.  فإذا ذهبنا إلى حقل الأحياء  وجدنا الشيء نفسه. وإذا خرجنا من هذا كله إلى الفنو ن التشكيلية  وجدنا الصوغ  في الخامة ماثلاً أمامنا.  فاللوحة ما هي إﻻ صياغة وتشكيل ملون للمساحة. فالتقطيع الملون هو الصياغة والتشكيل، والمساحة هي الخامة. والمنحوتة على المنوال نفسه سوى أن الصوغ  يكون للحجم. فإذا انتقلنا إلى اللغة  فالصوت هو صياغة في خامة ، ثم المقاطع هي صياغة في خامة، ثم الأوزان الصرفية هي صياغة في خامة،  ثم الجملة هي صياغة في خامة  هي النحو، ثم النص  هو صياغة في خامة هي نحو النص، ولنتأمل هذه الجملة القرآنية نحوياً ﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ﴾ ، إنها صوغ لثلا ث كلمات  صوغها الإبتدائي ( اشتعل - شيب - الرأس ). بنيتها النحوية فعل وفاعل ومضاف إليه. و الإسناد فيها مسند وهو اشتعل ومسند إليه وهو الرأس ، ثم حدث لها تحول صياغي إسنادي  بأن نُقل الإسناد من الشيب إلى الرأس ولحق ذلك  صياغة وظيفية نحوية جديدة  فبعد أن كان الشيب فاعلاً غدا تمييزا، وغدا المضاف إليه فاعلاً فنتجت بذلك هذه الجملة الرهيفة الرقيقة المناسبة أي مناسبة لمقام التوسل والدعاء. 

 

إذاً إذا قبلنا أنه ﻻ شيء جديد إﻻ من خلال صوغ في خامة، وانه ﻻ إبداع إﻻ بصياغة جديدة، إذاً فالإبداع ما هو إﻻ إعادة صوغ للقديم ليكون جديدا  وآليته هي ببساطة فهم الصياغة القديمة واستيعابها استيعابا تاماً  ثم التمكن من صياغتها من جديد لإنتاج  الرؤية المبتغاة .


بقلم : يوسف سعيد الجهني.